الشيخ محمد مهدي الآصفي

17

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

هذا الخط التربوي ، ففي الميقات يتعرّض الإنسان لتصفية واسعة في ( الأنا ) و ( الهوى ) ، يمتص منها سلطان الأنا والهوى ، ثم يسمح له بالدخول في رحاب ضيافة الله تعالى ، بعد أن يجرده من هذه النزعة الحيوانية التي تطغى على تصرفاته وتحكم إرادته وفعله . والهوى عندما يحكم الإنسان يتحول إلى مصدر للشرّ في علاقات الإنسان وحياته الاجتماعية ، يسلب الأمن والسلام من حياة الناس ، فليس ما بين الناس من خلاف ، وصراع ، وصدام ، مصدره الاختلاف في الرأي غالباً ، وإنما يعود السبب في نسبة كبيرة وواسعة من هذه الخلافات إلى عامل الهوى في العلاقات الاجتماعية . وللإمام الخميني 1 كلمة ذات دلالة عميقة فيما نقول ؛ يقول 1 : ( لو أنّ مائة وأربعة وعشرين ألف نبي عاشوا في مكان واحد ، لما اختلفوا فيما بينهم ، لأنه لا سلطان للهوى في نفوسهم ) . فالميقات نقطة تحول وانقلاب في حياة الإنسان وأهم ما في هذا الانقلاب هو العبور من ( الأنا ) و ( الهوى ) وخصالهما في حياة الإنسان ، فإذا تجرد عن ذلك ، كان مؤهلًا للدخول في رحاب ضيافة الله في الحج ، ومن عجب أنّ المذاهب الفكرية المادية تؤكد عكس ذلك ، على تعزيز الأنا وتثبيته ، واعتماد عنصر الاعتداد بالنفس وتنمية حالة الغرور والعجب ، بخلاف الإسلام الذي يضع منهجه التربوي على أصل مكافحة سلطان الأنا ، وإضعافه ، وتحجيمه ، وتحويل الإنسان من محور سلطان الأنا إلى محور عبودية الله تعالى ، وسلطانه في حياته ، ويدعو الإنسان إلى التحلّل من هذا المحور ، والارتباط بالمحور الرباني والانصهار فيه ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي